السيد عباس علي الموسوي
465
شرح نهج البلاغة
الشرح ( فإن الدنيا رنق مشربها ) وصف الدنيا بعدة أوصاف كلها لتبيّن حقيقتها والتحذير منها فأولى أوصافها أن لذاتها مشوبة بالمنغصات والآلام وكما يقول الحكماء ليس هناك لذة كاملة أو كما يقول بعضهم الملذات رفع للحاجات . . . ( ردغ مشرعها ) شبه متناول الدنيا وطالبها برجل دخل في أرض موحلة فكما أن هذا تزل قدمه ويسقط ولا يتخلص إلا وعليه آثار الوحل كذلك الدنيا تزل أقدام طلابها ومتناوليها إلا من كان له القدرة القوية على تجاوزها بفكره وفهمه . . . ( يونق منظرها ويوبق مخبرها ) فالدنيا جميلة إذا نظر إليها الإنسان بمنظار ما يظهر منها فهناك أموال وجمال وعقارات وملاهي وملاذ . . هناك جنات وطيبات هذا ما يظهر من الدنيا ولكن لو نظر الإنسان إلى حقيقتها رأى هلاكه في هذه الأشياء . . رأى أن المال إذا أخذ من غير طريقه المشروع جريمة كما إنه إذا صرف في غير مورده جريمة . . والحكم إذا لم يكن للهّ فهو جريمة . . وهكذا حال الدنيا كلها إذا لم تكن للهّ كانت مصيبة على أصحابها فهي تهلك هذا الإنسان دون أن يعرف . . . ( غرور حائل ) إنها تغرّ الإنسان وتضعه في أجواء السعادة ثم لا تلبث أن ترميه بالبلاء والمصائب فكم من سامر عاش لذة سمره مع أحبابه وأقرانه لم يطلع الفجر عليه إلا في مساءة وحزن وألم . . . ( وضوء آفل ) فهي كالضوء الذي يؤنس الإنسان ويريه الدرب ثم لم يلبث أن يتحرك حتى ينطفي ء فيتحير الإنسان ولا يقدر على الحركة . . . ( وظل زائل ) فلا يكاد يستريح الإنسان إليها حتى تخرج من يده ولا تعود إليه . . . ( وسناد مائل ) لا يستطيع الإنسان أن يستند إليها ويعتمد عليها لأنها تتركه يسقط بمجرد أن يطمئن إليها لأنها لا تدوم لأحد . . . ( حتى إذا أنس نافرها وأطمأن ناكرها ) هذه هي حال الدنيا تجذب إليها من كان هاربا منها نافرا عنها وكذلك من كان منكرا لها وعليها تجعله بلذاتها مطمئنا إليها حتى إذا أنس النافر واطمأن الناكر لم تدعهم بأنسهم واطمئنانهم بل . . . ( قمصت بأرجلها ) فاجأتهم بهذه الوحشة المرة دفعتهم عنها فاستبدلت أنسهم بالوحشة . . .